رونق تلك الأيام ما زال يجول بخاطري، ويكأني اغوص في اعماق عقلي مستدعياً من الذاكرة تلكم الأيام الجميلة التي قضيناها في بلاد العم سام، شواطئ زرقاء، جبال تكسوها الخضرة، مياه تتدفق سلسبيلاً لا ينضب، غيوم تغطي قرص الشمس لا تكاد تراه الا قليلاً، و السحاب ينثر زخاته لؤلؤاً يداعب الوجوه و الجنبات. بلاد امتلأت حضارة حتى الثمالة، زادتها جمالاً و ألقاً، و كان من اروع ما رأيت ان تزود جيل الشباب بالعلم النافع، يكاد كل من يتلقف كتاباً ان يلتهمه التهاماً ليقفز الى اخر. يتجاذب معك الحديث مثقف، يزيد من الق الموضوع و حيوية النقاش، و تستزيد من ما يعرف، بحور من الادب و الثقافة و الفكر و العلوم المختلفة.
******
اروما نفحة الذواقين، يرتشف الرشفة و يتذوقها لبرهة وهو يدور بعينيه الى الجانبين هكذا فيقول ان اروما جيدة، اي ان النكهة جيدة، هي كذلك عندما تشرح معاني ثقافتهم، كنا نجلس في مكان، و من خلف واجهته الزجاجية كنت انظر الى اللافتة التي تعتلي واجهة المقهى الذي يواجهنا من الناحية الاخرى للطريق و كانت العبارة المكتوبة على اللافتة ((اروما)) قد شدتني ، فكنت وقد قلت لهم ان هذه العبارة تذكرني مدينة في شرق السودان، فما كان منها الا وان اتت بهذا التوضيح الجميل الذي اسلفت ذكره.******
لا انسى ذلك اليوم عندما ذهبنا الى اخر رحلة في بلاد البيض الى جبلهم ذلك، و كنا قد تركناها هناك و قلنا لها و قالت لنا باننا سوف نلتقي في يوم الاثنين، كنا نعرف اننا لن نلتقي في يوم الاثنين، ولكن كنا نريد ان ندلف خلف ابواب التداري من الواقع، ندلس الحقائق بمحض ارادتنا و نجعل الاحساس بالفراق يكون كاحساس طبيعي لفراق لن يدوم لاكثر من يومين بعدها اللقاء سياتي لا محالة، تركناها و ذهبنا الى الجبل، و ما ان وصلنا الى قمة الجبل حتى وتفاجانا بتلك الرسالة على محمول زميلتها التي رافقتنا ، كانت قد ارسلت صورتها و هي تلوح الينا من اعلى الجبل الذي بجادتنا، و الريح تطير بخصلاتها الى الوراء، و بسمة كبيرة تطل من خلف شفاهها و تفتر عن اسنانها و هي جزلانة جزلانة جزلانة، خلفها تظهر جادتنا التي عشنا فيها مدة التسع اشهر السابقة وهي تقول في اسفل الرسالة ((ابادلكم روح الجندية و انتم في اعلى قمة في بلادنا، وحيث انني لم استطع ان اكون معكم، فقد قررت ان اعتلي الجبل المواجه لجادتكم و التفت الى المكان الذي به منزلكم لاتذكر الايام الجميلة التي قضيناها معاً)).